أبو الليث السمرقندي

448

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم والخصب ويقال : إن اللّه تعالى يبتلي العوام بالشدة ، فإذا أنعم عليهم يكون استدراجا . وأما الخواص فيبتليهم بالنعمة والرخاء فيعرفون ويعدّون ذلك بلاء . كما روي في الخبر : إن اللّه تعالى أوحى إلى موسى بن عمران إذا رأيت الفقر مقبلا إليك فقل : مرحبا بشعار الصالحين . وإذا رأيت الغنى مقبلا إليك فقل : ذنب عجلت عقوبته فهؤلاء الذين أرسل إليهم ، ابتلاهم اللّه تعالى بالشدة ، فلم يعتبروا ولم يرجعوا ، فتح عليهم أبواب كل خير عقوبة لهم لكي يعتبروا فيها . قال الفقيه : حدّثنا الخليل بن أحمد قال : حدّثنا عبد اللّه بن أحمد قال : حدّثنا أبو عتبة قال : حدّثنا محمد بن حمير عن شهاب بن خراش عن حرملة عن عقبة بن مسلم عن عقبة بن عامر قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأيت اللّه يعطي عبدا من الدّنيا على معصية ممّا يحبّ فإنّما ذلك منه استدراج » . ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ الآية . وقال الحسن : واللّه ما أحد من الناس بسط اللّه له في الدنيا فلم يخف أن يكون قد مكر له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه . وما أمسكها اللّه تعالى عن عبد فلم يظن أنه قد خير له فيها إلا كان قد نقص عمله وعجز رأيه . فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ يعني : تركوا ما وعظوا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ يعني : أرسلنا عليهم كل خير . ويقال : فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من الرزق قرأ ابن عامر : فتّحنا بالتشديد على معنى المبالغة . والباقون بالتخفيف حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من أنواع الخير فأعجبهم ما هم فيه أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً يعني : أصبناهم بالعذاب فجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يعني : آيسين من كل خير . وقال مجاهد : الإبلاس : الفضيحة . وقال الفراء : المبلس : المنقطع بالحجة . وقال الزجاج : المبلس : الشديد الحسرة والآيس الحزين . وقال بعضهم : في الآية تقديم وتأخير . ومعناه : فلما فتحنا عليهم أبواب كل شيء ، ونسوا ما ذكروا به أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . ثم قال عز وجل : فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا يعني : قطع أصلهم فلم يبق منهم أحد وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على هلاك أعدائه واستئصالهم ويقال : الحمد للّه الذي ينتقم من أعدائه ، ولا ينتقم منه أحد . ويقال : هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 46 إلى 49 ] قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ( 46 ) قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ( 47 ) وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 )